محمد عبد الله دراز
270
دستور الأخلاق في القرآن
خاصة لهذا المفهوم العام ، الّذي هو الحبّ في اللّه ، فهؤلاء الأولاد الذين لا يكتفون ببنوتهم الطّبيعية ، حتّى يضيفوا إليها بنوة روحية ، لما ذا لا يستطيعون أن يعملوا على تحقيق مثلهم الأعلى باجتماعهم في اللّه ، كيما يحرزوا حقّ الاجتماع في نفس المنزلة مع من اتخذوهم قدوة ، حين أتبعوهم في الواقع بصورة تتفاوت في درجة كمالها ؟ أليس فصلهم عنهم إنكارا لقيمة هذا الحبّ ؟ . . وعليه ، فإنّ هذا الاتحاد في جنّة اللّه لا ينفي مطلقا التّدرج في الجزاء ، ولا يستتبع بالضرورة اختلاطا في القيم ؛ فنحن ندرك جيدا أنّ أعضاء جمعية واحدة متدرجون في مناصبهم ، مختلفون في وظائفهم ، متفاوتون في استحقاقهم ، شأن القطار الّذي يقل مجموعة مختلفة من طوائف المسافرين . فإذا فسرنا الآية على هذا النّحو ، وقابلناها كما ينبغي بمجموع النّصوص الأخرى ، فإنّها لا تحتوي أدنى تضارب مع المبدأ العام ، مبدأ المسؤولية الّتي تظل فردية ، على وجه الخصوص . وهنالك اعتراض أخير ، قد يثار ضد هذا المبدأ ، وهو ما يمكن أن يستقى من فكرة ( الشّفاعة ) بمعنى ( التّوسط عند اللّه يوم القيامة ، سواء من ناحية الملائكة ، أو الأنبياء ، من أجل الصّالحين ، أو من ناحية المؤمنين من أجل إخوانهم ) . وهي فكرة نجد أصلها في كثير من الأحاديث الّتي عرفت بأنّها صحيحة « 1 » .
--> - الطّوسي : 621 ، أمالي الصّدوق : 252 ، صحيح مسلم : 4 / 2032 ح 2639 ، صحيح ابن حبان : 2 / 316 ح 557 ، موارد الظّمآن : 1 / 621 ح 2506 ، سنن التّرمذي : 4 / 595 ح 2385 ، مسند أحمد : 3 / 268 ح 13854 ، مسند أبي يعلى : 5 / 270 ح 2888 . ( 1 ) لقد أرسل اللّه الأنبياء ، والرّسل مبشرين ، ومنذرين ، وبعثهم للخلق رحمة ، وهداة للناس أجمعين ، ثم -